الشيخ محمد رشيد رضا

39

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الأسير مع من يأسره ، وكانوا يضعون الاغلال في أعناق الاسرى وإذا أمر السيد عبده بأمر يحني رقبته إذعانا لأمره . ويقال في مقابل ذلك : فلان لا يرفع بهذا الامر رأسا ، أو لا يرفع زيد رأسه أمام عمرو . ولو أطلق لفظ الرقبة على الحر المطلق لقلت إن وجهه كون قطع الرقبة يزيل الحياة فعبر بها عن الانسان لأنه يزول بقطعها . وعلل الاستعمال في لسان العرب بشرف الرقبة وهو غير ظاهر . وقد اختلف الفقهاء في الرقبة المجزئة في كفارة اليمين هل يشترط أن تكون مؤمنة كما يشترط ذلك في كفارة القتل أم لا ؟ فقال أبو حنيفة وأبو ثور وابن المنذر : لا يشترط ، فيجزئ عتق الكافرة عملا باطلاق الآية . وقال الجمهور ومنهم الأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد واسحق يشترط ذلك حملا للمطلق هنا على المقيد في كفارة القتل والظهار إذ قال ( فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ) كما يحمل المطلق في قوله تعالى ( وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ ) على المقيد في قوله ( وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ ) واحتجوا أيضا بما ورد في فضل عتق الرقبة المؤمنة من الأحاديث الصحيحة ، وبأنها عبادة يتقرب إلى اللّه بها ، فوجب أن تكون خاصة بأهل عبادته من المؤمنين كمال الزكاة وذبائح النسك ، ولهذا المعنى اشترط من اشترط ان يكون العشرة المساكين من المسلمين ومنهم مالك والشافعي . نعم ان الاسلام دين الرحمة العامة ، والصدقة فيه حتى على الكفار غير المحاربين مستحبة ، ولكن فرقا بين الصدقة المطلقة ، وبين العبادات المحدودة المقيدة . فتكفير الذنب انما يرجى بما في العتق من إعانة العتيق على طاعته تعالى . ومن قال بإجزاء عتق الكافرة لا ينكر الاحتياط بتقديم المجمع عليه المتيقن إجزاؤه على المظنون المختلف فيه ان وجدا ، ولكنه يرى أن لا يصوم إذا استطاع عتق رقبة كافرة فَمَنْ لَمْ يستطع فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ أي فمن لم يستطع اطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة فعليه صيام ثلاثة أيام ، وهي أدنى ما يكفر به عن يمينه ، فان عجز عنها لمرض نوى الصيام عند القدرة ، فإن لم يقدر رجي له عفو اللّه بحسن نيته ، وصحة عزيمته . والظاهر أن المستطيع من يجد ذلك فاضلا عن نفقته ونفقة من